الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

15

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإطلاق الأرض ، فكان المعنى : فسيحوا آمنين حيثما شئتم من الأرض . وهذا تأجيل خاصّ بعد البراءة كان ابتداؤه من شوال وقت نزول براءة ، ونهايته نهاية محرّم في آخر الأشهر الحرم المتوالية ، وهي : ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم . وهذا قول الجمهور قال ابن إسحاق : وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذّن فيهم ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم وقال بعضهم : هي أربعة أشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجّة وتنتهي في عاشر ربيع الآخر ، فيكون قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ [ التوبة : 5 ] ( أي من ذلك العام ) تنهية لذلك الأجل روعي فيها المدّة الكافية لرجوع الناس إلى بلادهم ، وذلك نهاية المحرّم . وقيل : الأشهر الأربعة هي المعروفة عندهم في جميع قبائل العرب وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب ، أي فلم يبق للمشركين أمن إلّا في الأشهر الحرم وعلى هذا فليس في الآية تأجيل خاصّ لتأمينهم ، ولكنّه التأمين المقرّر للأشهر الحرم فيكون المعنى : البراءة من العهد الذي بينهم فيما زاد على الأمن المقرّر للأشهر الحرم . وحكى السهيلي في « الروض الأنف » أنّه قيل إنّه أراد بانسلاخ الأشهر الحرم ذا الحجّة والمحرم من ذلك العام ، وأنّه جعل ذلك أجلا لمن لا عهد له من المشركين ومن كان له عهد جعل له عهد جعل له أربعة أشهر أولها يوم النحر من ذلك العام . وفي هذا الأمر إيذان بفرض القتال في غير الأشهر الحرم ، وبأنّ ما دون تلك الأشهر حرب بين المسلمين والمشركين ، وسيقع التصريح بذلك . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ . عطف على فَسِيحُوا داخل في حكم التفريع ، لأنّه لمّا أنبأهم بالأمان في أربعة الأشهر عقبه بالتخويف من بأس اللّه احتراسا من تطرّق الغرور ، وتهديدا بأنّ لا يطمئنوا من أن يسلّط اللّه المسلمين عليهم في غير الأشهر الحرم ، وإن قبعوا في ديارهم . وافتتاح الكلام ب وَاعْلَمُوا للتنبيه على أنّه ممّا يحقّ وعيه ، والتدبر فيه ، كقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ في سورة الأنفال [ 24 ] ، وقد تقدّم التنبيه عليه . والمعجز اسم فاعل ، من أعجز فلانا إذا جعله عاجزا عن عمل ما ، فلذلك كان بمعنى الغالب والفائت ، الخارج عن قدرة أحد ، فالمعنى : أنّكم غير خارجين عن قدرة اللّه ، ولكنّه أمّنكم وإذا شاء أوقعكم في الخوف والبأس . وعطف قوله : وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ على قوله : أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ